ملتقي الناصريين
ناصريون نعم ناصريون
ناصريون نغني ما نشاء الارض والحريه
ناصريون نلعق ما تبقي من دمائنا
ولا نغتاد من ثدي الكلاب
من قال ان جمال مات من افتري من قال زال
هو صامد في حوبة الميدان
هو شعلة الفولاذ في دمنا علي درب النضال
ما مات عملاق العروبة قم فاذن يا بلال
لا تغمدن السيف يصدأ بل سله ابدا
فالناصرية سيف ليس ينغمد
اذا ما قلبوها يمينا بعد ميسرة
كانت هي الداء وكانت هي الخطر
لا تبرح الشعلة الحمراء موضعها
فالناصريون وميض اينما ذهبوا

قضية الهويه في تركيب الدوله السودانيه

اذهب الى الأسفل

قضية الهويه في تركيب الدوله السودانيه

مُساهمة  عاصم في الأربعاء أغسطس 04, 2010 4:38 pm

أن قيام الدولة لا يشترط فيها وحدة الهوية الثقافية ، فذلك ليس ضرورة حتمية او شرط لاغني عنه لوحده الدولة ، فهناك دول تفتت وانقسمت رغم وحدة الهوية الثقافية مثل كوريا وباكستان، وهناك دول قامت وازدهرت كالولايات المتحدة الأمريكية رغم تعدد الهوايات المكون لها .

إن أمريكا والتي استطاعت أن تصبح قوي عظمي خلال قرنين من الزمان والقوي العالمية الأولي في بداية القرن الثالث لها ، لم تقم علي وحدة الجنس أو اللون او اللغة او الدين ،وإنما كانت شتات من جنسيات وثقافات متعددة (فرنسية وبرتقالية وأسبانية وألمانية وإنجليزية , بالإضافة إلي العبيد الذين جلبوا إليها من أفريقيا) وديانات المختلفة .ولكنها استطاعت أن توحد بين ذلك الشتات في دولة واحدة وتخلق مجتمع متجانس بعد الحرب الأهلية التي وحدت بين الشمال والجنوب وتقيم إمبراطورية تسعي للهيمنة علي العالم علي الرغم من أن الجماعات المكون لها كانت تمتلك ثقافات لها لغتها العالمة.

أن نموذج الدولة الأمريكية التي تأسست في القرن الثامن عشر قريب إلي الأذهان ويجعنا لا ننظر إلي التاريخ في حركة سيره بأنه عمودي منذ نشأة الخليقة، وإنما أفقي من لحظة محدده هي لحظة تأسيس الدولة فان تلك الدولة لم تقم علي قاعدة شعب بعينه او أمه بذاتها او عقيدة دينية حلت في الأرض، بل كانت النشأة والظهور في إطار مغامرة تاريخية انتهي فيها التفاعل الأفقي بين تلك المجموعات المغامرة إلي الحرب الأهلية ومن ثم تكونت الدولة التي تطورت راسياً ووصلت إلي ما واصلت إليه الآن.

أن الدولة السودانية التي نشأت ، قامت علي جمع دويلات كانت قائمة علي الأرض ضمت إليها مجموعات بشرية في الشرق والجنوب كانت تعيش خارج سياق تاريخ تلك الدويلات التي ضمت إليها في دولة مركزية(ربما كانت تلك المجموعات متجهة نحو تكوين دولتها) وان تلك الدويلات كانت قائمة علي ولاءات قبلية وإقليمية .وان كانت السلطنة الزرقاء احد تلك الدويلات والتي تأسست عام1505م قد بسطت نفوذها داخل حدودها السياسية علي مجموعات متعددة ومختلفة لم تستطيع أن تخلق التجانس بين تلك المجموعات، فالتحالف الذي إنشاء تلك الدولة ( فونج / عبدلاب) لم يكن مستقر وكثيراً ما كانت تحدث فيه مناوشات ،وبالتالي لم تستطع أن تمنع القبائل التي تقع تحت سيطرتها من الإغارة علي بعضها البعض، ولذلك لم تستطع أيضاً أن توحد الدويلات الاخري إلي أن جاءت جيوش محمد علي باشا.

لقد ظلت الولاءت القبلية والإقليمية قائمة في تلك الجماعات والكيانات حتى بعد تأسيس الدولة المركزية في عهد محمد علي لغياب المشروع الذي يستوعب تلك البناءت القبلية والإقليمية رغم الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي ادخلها محمد علي في الدولة المركزية ،لان مشروع محمد علي المتجه نحو الخلافة الإسلامية منطلقاً من مصر كقاعدة له لم يكن السودان قبل او بعد محمد علي جزء منه وبتالي ظل السودان دون تجانس رغم قيام السلطة المركزية .

أن الحركة الصوفية والتي استطاعت أن تخترق الحواجز القبلية والإقليمية لما وجدوه مشائخ تلك الطرق من احترام وتأييد من كل تلك المجموعات لم تستطيع أن تخلق التجانس المطلوب لقيام الدولة علي الرغم من أن ذلك التأييد والاحترام ساهم مساهمة أساسية في انتصار الثورة المهدية .ويعود فشل الحركات الصوفية في خلق ذلك التجانس لسببين :

أولاً: أن معظم مشائخ الطرق الصوفية كانوا يهربون من السلطة ويتضح ذلك من معارضة الشيخ عبد المحمود نور الدائم لفكرت الشيخ محمد شريف لتجميع الطرق الصوفية لتكون بديل لسلطة الأتراك.

ثانياً: أن الطرق الصوفية لم تكن موحدة إذ أنها موزعة الولاء لمجموعة شيوخ وطرق رغم ان كل المدارس الصوفية تنتهج من مصدر واحد في التصوف.

ولذلك لم تستطيع الحركة المهدية ان تخلق كيان موحد ومتجانس علي الرغم من أنها استطاعت ان تقود كل أهل السودان في مسيرة شاملة تحدياً للحكم الأجنبي في أول تاريخ مشترك وان تصادر كل الحركات الصوفية الاخري وتلغي العمل بالمذاهب السنية الأربعة .فظلت القبلية والاقليمة فاعلة في الدولة السودانية ، وما زالت أثارها ممتدة إلي الحاضر.

أصبحت الحركات الجهوية تعلب الدور الأساس في الحراك السياسي علي الرغم من مرور أكثر من ستين عام علي نشأة الأحزاب السياسية في الدولة السودانية. فان تلك الأحزاب اتجهت للاستقلال في إطار الصراع السياسي بين تيار الوحدة والاستقلال ولم تجيب القوي السياسية علي الأسئلة التي كان يطرحها هذا الصراع مثل هل نحن وطن أم أمه ؟ فإذا كنا أمه هل هي قائمة بذاتها أم لها امتداد خارج الحدود السياسية للدولة ؟ وإذا كنا وطن هل هناك ما هو مشترك يوحد بينا غير الحدود السياسية المعترف بها دولياً ؟

ان أقصي ما وصلت إليه الأحزاب السياسية في الإجابة عن لتلك الأسئلة التي فرضها الصراع بين الوحدويين والاستقلاليين وهو أننا سودانيين وظنت تلك القوي بان تلك الإجابة كافية في إطار صراعها علي السلطة ،دون ان تدرك ان ذلك الجواب يطرح سؤال غاية في الخطورة وهو ما هي الخصائص الجوهرية التي تميزنا نحن كسودانيين عن غيرنا حتى نطلق علي كل من ينتمي لتلك الحدود السياسية بأنه سوداني ؟

ان المسالة الثقافية غابت عن الأحزاب في العمل السياسي ، وإذا طرحت كانت تأتي في المرتبة الثالثة بعد القضية السياسية والاقتصادية ويرجع ذك إلي طبيعة تكوين بعض تلك الأحزاب والي ايدولوجية البعض الأخر. فالحزبين الكبيرين (الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة).كما يطلقوا علي أنفسهم او يطلق الآخرين عليهم هذا الوصف كانت نشأتهما رد فعل لسياسية محددة دون البحث في تركيبة الواقع السوداني تاريخياً وحضاريا واجتماعياً وفكرياً.

فالحزب الاتحاد الديمقراطي (الأحزاب الاتحادية قبل التوحد) نشأ كرد فعل للسياسة البريطانية التي عملت علي تقليص نفوذ مصر عسكرياً وإدارياَ وثقافياً ،ويري في ذلك الموقف صورة من صور المقاومة للمستعمر، إلا ان هذا التيار والذي نشأت منه الأحزاب الاتحادية وقف بطريقة غير مباشرة ضد السلطة الوطنية التي منحها المستعمر لزعماء الطوائف والعشائر بغرض الاستغناء عن المصريين ،دون ان يؤسس لتلك الوحدة المنشودة مع مصر من واقع التركيبة السودانية.

أما حزب الأمة والذي نشأ من وسط التيار الاستغلالي بعد تجميع الأنصار في الجزيرة أبا - بعد ان منحت كالقطاعية للسيد عبد الرحمن المهدي - كانت نشأته ردة فعل ، فالاستقلال عن مصر يحفظ تلك السلطة التي منحت للوطنين ،بل ويعيد السلطة التي سلبها المستعمر باحتلال السودان والتي كانت في يد خليفة المهدي وقد أسس حزب الأمة لذلك الاستغلال بشعار البلد بلدنا ونحن أسياده وانعكست طبيعة تلك النشأ للحزبين الكبريين علي مجمل سياستهم في الحركة السياسية ولذلك غابت عنهم في كثير من الأحيان المسألة الثقافية.

أما الحزب الشيوعي السوداني والذي كان ضمن تيار الحركة الاستغلالية تحت غطاء الجبهة المعادية للاستعمارـ فقد جاء وفقاً لرؤية منهجية وفلسفية تفسر حركة سير التاريخ . وقد أسقطت تلك الرؤية قسراً علي تركيبة الشعب السوداني القبلية والإقليمية المتعددة باعتبارها تمثل نمطاً اقتصادياً واحداً. وقد حجبت عنه تلك الرؤية الفلسفية تركيبة الشعب السوداني المتفاوتة في التطور الثقافي كما حجبت عنه طبيعة المجتمع القبلي الذي يعتمد علي العصبية العرقية ، فهو يرفض التنوع ويتعصب عنصريا لما يرفض.

أما الحركة الإسلامية السياسية ، فهي حركة سلفيه توفقيه تلفيقية في أيدلوجيتها تصادر الحاضر باسم الماضي وبتالي لم تدرك تركيبة الشعب السوداني تاريخياً وحضاريا، فهي تري في السلطنة الزرقاء بأنها دولة إسلامية وأن ثورة المهدي ثورة إسلامية رغم أنها أعطلت المذاهب وطرح راتب المهدي بديل عنها وتري في شعوب الجنوب بأنهم أهل ذمة يعطون الجزئية عن يدٍ وهم صاغرون ولم تستطيع التوفقيه والتلفيقية ان تجمع ذلك الشتات المكون للدولة السودانية.

أما الجنوب والذي أصبح جزء من الدولة السودانية عام 1875م، وحاول المستعر عزله بقانون المناطق المقفولة وأعاده في مؤتمر جوبا عام1947م لتقوية تيار الاستقلاليين . فالقبلية هي محور تفكير وسلوك معظم قيادته كما ان تلك القيادات قد كيفت بشكل معادي للشمال ونما ذلك التكييف في ظل ممارسة الأنظمة السياسية الوطنية التي قامت بعد الاستقلال لغياب القضية الثقافية في برنامج الأحزاب السياسية التي نشأة قبل خروج المستعمر.

ان غياب الحراك الثقافي حول تركيبة الشعب السوداني الذي يشكل الدولة السودانية جعل تلك الدولة تعاني من المسالة الاثنية سواء كانت عرقية او دينية وقد عمقت هذه المسالة ممارسة القوي السياسية الوطنية التي ورثت السلطة من المستعر فقد تعامل مع تلك المسالة ليس في إطار تمتين الوحدة والوطنية التي تحققت تاريخياً سواء بمساهمات الحركات الصوفية او بدخول محمد علي وخلق الدولة المركزية او بقيام الثورة المهدية او حركة المقاومة الوطنية للمستعمر ،وإنما في إطار الصراع علي السلطة وإقصاء الأخر.

ظلت الاثنية قائمة في السودان علي الرغم من مضي ما يقارب القرنين من تأسيسه وبدأت تتشكل في كيانات جهوية وإقليمية تعلب دور متنامي في الحراك السياسي وأقص ما وصلت إليه القوي السياسية الوطنية في فهم تلك الظاهرة بأنها من سياسات المستعمر. فكما علقت القوي السياسية الوطنية تمرد حامية توريت عام1955م علي شماعة المستعمر علقت علي تلك الشماعة كل الصراعات الجهوية والإقليمية وبالتالي لم تري في الحركة الشعبية وما تطرح من شعار السودان الجديد الذي ظل يروج له بعض الشماليين سواء أنها قوي مسلحة لمقاومة نظام جعفر نميري التي تسعي هي لإسقاطه إلي ان جاءت حركة الإنقاذ بمشروعها الحضاري ونهجها المتطرف الذي يسعى لتمكين ذلك المشروع فولد تطرف مقابل لا يرفض الإسلام فقط ، بل يرفض عروبة الشمال فطرحت الأفريقية في مواجهة العروبة في طار الدولة الواحدة بعد ان كانت تطرح في مواجهة تيار القومية العربية الناهض في المنطقة بعد قيام ثورة 23 يوليو في مصر فبررت تلك الأسئلة من جديد.

ان المسالة الثقافية في الحراك السياسي بدأت تتقدم علي غيرها من الجوانب السياسية والاقتصادية ،وقد ساعد علي ذلك ان المسالة الثقافية أصبحت تقلق مضاجع المجتمع الدولي بعد سقوط حائط برلين وتفتت الجمهوريات اليوغسلافية وانفراط عقد الاتحاد السوفيتي وقيام الجمهوريات وبروز حروب التطهير العرقي وقد تزامن كل هذا مع قيام نظام الجبهة القومية الإسلامية في السودان وتجميدها المتطرف في مسالة طرح الإسلام والعروبة وخاصة بعد ان أصبحت الحركة الشعبية لتحرير السودان جزء من المعارضة في إطار التجمع الوطني.

برزت في حركة المعارضة بالقاهرة قوي سياسية تطلق علي نفسها قوي السودان الجديد ومعظم عناصر هذه القوي تم استقطابها بجمهورية مصر العربية من الشباب الذين فروا من نظام الإنقاذ بعد ان قلب ذلك النظام كيانهم وأطلعوا إلي الهجرة للعالم الجديد (أمريكا الذي أطلق عليها ذلك الاسم المهاجرين الأوائل) والتي كان يبدأ مشوارها من القاهرة.. ومعظم قيادات هذه القوي من خريجي المدرسة الماركسية التي تربة علي ان الدعوى للتوحد القومي هي دعوى برجوازية وان الصراع الاقتصادي بين الشمال والجنوب هو سيطرت المركز علي الهامشين وقد بدأ هؤلاء مشروعهم الحضاري او نقاشهم عن الهوية بنفي عروبة الشمال ،وقد برز علي السطح في فكر هؤلاء مصطلح مثل السودانوية كهوية تميز الشعب السوداني.

ان مصطلح الهوية مصطلح فلسفي وضعه المناطق وهو لفظ مشتق من الضمير (هو) ويقصد به الإجابة علي السؤال ما هو ؟ أي تعريف الشيء. والإجابة علي هذا السؤال تكون بإبراز الصفات الجوهرية للشيء المراد تعريفه وتحديد خصائصه التي تميزه عن غيره من الأشياء الاخري. وقد فرق المناطق بين نوعين من صفات ، صفات جوهرية وصفات عرضيه. والصفة الجوهرية تبقي دائمة في الشيء ، أما الصفات العرضه قد توجد في الشيء المراد تعريفه مع الصفة الجوهرية وتختفي في شيء أخر .وحتى لا نخوض في حديث فلسفي يصبح معه الحوار مقصور علي قله قليلة .فالصفة الجوهرية مثل قولنا الانسان حيوان ناطق ، فوصفه حيوان وناطق هي صفات جوهرية لتعريف الانسان ، أما قولنا الانسان حيوان ناطق ضخم ، فان صفه ضخم صفة عرضية فقد يكون الانسان قزم. فوصف الانسان بأنه ضخم او قزم ليس من الصفات الجوهرية في تعريف الانسان.

وقد استخدم لفظ هوية في المصطلح العربي لإثبات الشخصية أي لتعريف الشخصية او جنسيته . وفي الغالب ان التعريف بالجنسية يتم بالحدود السياسية فهذا مصري وهذا فرنسي وذاك خليجي .والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو المشترك غير الحدود السياسية التي جعلتنا نطلق ذلك الوصف مصري او فرنسي او خلافه علي الشخصية ؟ فالذي يميز المصري عن الفرنسي ليس الحدود السياسية وإنما لغة التخاطب .فاللغة المشتركة هي التي تميز جنسية عن أخري، فاللغة هي الحامل لثقافة الشعوب وهي أداة التعبير عن الثقافة ، والثقافة هي الحياة العقلية السائدة لدي شعب معين.

ان قضية الهوية مرتبطة بالثقافة ،والثقافة لا يمكن تناولها إلا في ظل مجموعة معينة من البشر ، فهي ظاهرة بشرية تخص مجموعة محددة وأي حديث مجرد عن الثقافة لا معني له إذ لم يضاف إلي مجموعة بشرية ،وان هذه المجموعة يسودها وعي يجعلها تحسن بأنها كلاً واحدا.فهل السودان بتركيبته داخل الحدود السياسية الدولية المعترف بها يحسن بأنه يشكل كلا واحداً يمكن ان نطلق عليه السودانوية ؟

ان لحظة تأسيس الدولة السودانية كما ذكرنا جمعت شتات من القبائل في حدود سياسية .هذا الجمع لم يكن وفق مشروع نابع من داخل هذا الشتات وإنما جاء من خارج الإطار لتحقيق حلم لم يكن ذلك الشتات جزء منه او طرفا فيه . ان الدويلات التي كانت قائمة وثم توحديها في إطار السودان لم تكن منفعلة بذلك الحلم الذي يتوجه نحو الخلافة الإسلامية علي الرغم من ثقافتها العربية الإسلامية التي كانت غالبة في ذلك الشتات الذي توحد في دولة مركزية واحده .فهي الثقافة الغالبة في الشمال والوسط والغرب وهذه الثقافة العربية الإسلامية قائمة منذ فترة تاريخية طويلة ، وقد امتدت بشكل رضائي وطوعي في تلك المجتمعات من خلال حركة التاريخ الأفقية فالعرب المسلمين وان كانوا قد فتحوا مصر بقيادة عمر بن العاص فإنهم اكتفوا من شعوب جنوب مصر باتفاقية البغض.

لقد امتدت الثقافية العربية الإسلامية جنوب مصر من خلال التفاعل مع ثقافات شعوب المجموعات التي كانت تسكن في تلك المنطقة. وان انحسار لغات وثقافات تلك المجموعات المحلية لا يعني ان الثقافة العربية الإسلامية قد أقصتها وهيمنت عليها قسراً فجيوش العرب المسلمين توقفت جنوب مصر. وإنما يرجع ذلك للثقافة العربية نفسها إذ أنها ثقافة عالمه أي ان لغتها تكتب عكس الثقافات المحلية التي كانت سائدة فهي ثقافات شفهيه. فالثقافة العربية ثقافة حيه لغة وأدب ودين وفكر متغلغلة في العقل والشعور وفي الفكر والسلوك لمجموعات بشرية تعيش جنب إلي جنب مع ثقافات أخري غير عالمه وما يؤكد بان إحلال الثقافة العربية محل الثقافات التي كانت قائمة لم يتم قسراً فان أثار تلك الثقافات المحلية ظلت قائمة في الثقافة العربية فأصبحت العربية تنطق بإشكال مختلفة مثل عربي الشرق وعربي الغرب ولم تقف عند هذا الحد بل امتدت نحو الجنوب لتنتج عربي جوبا ذو اللهجة الجنوبية مما جعل اللغة العربية أداة تخاطب بين كل أهل السودان.

ان ذلك التفاعل التلقائي والتمدد الطوعي للثقافة العربية تم في عصر السقوط العربي العام الذي بدأ بسقوط قرناطة وبزوغ فجر العصر الإمبراطوري الثاني الذي رفع لواء المسيحية. فالسودان ولد في ذلك العصر الذي بدأ فيه المستعمر حملته لتدمير الثقافة العربية الإسلامية التي استطاعت ان تقيم إمبراطورية تهيمن علي العالم أكثر من أربعة عشر قرناً. وكانت بدايات تلك الحملة التشكيك في الهوية الحضارية. وبدأ الحديث عن القهر والإقصاء كجوهر للثقافة العربية الإسلامية يقصد التحريض السياسي للجماعات التي ما زالت محتفظة بالغاتها في السودان وخاصة في الجنوب علي الرغم من إنها حاولت ان تجعل من للغة المستعرة وثقافته لغة وثقافة لتلك الجامعات لان هناك بعض الجماعات في بعض الدول قد تراجعت ثقافتها او اندثرت لصالح اللغة الإنجليزية والفرنسية مع أنها لم تكن لغات محلية لأي من المجموعات المشكلة لتلك الدول.

ان الثقافة الغالبة في الحدود السياسية التي تسمي السودان هي الثقافة العربية الإسلامية ،وهذا لا يعني بأنها الثقافة الوحيدة في تلك الحدود بل ان هناك ثقافات أخري ، هي ثقافات المجموعات القبلية وهي ثقافة اقل نمو من الثقافة العربية الإسلامية لان الاخيره قد تنامت راسياً. ولا ينقص من أنها ثقافة عربية إسلامية اللهجات المختلفة للغة العربية . ان ذلك الاختلاف في اللهجات لا يؤثر في التواصل بين أهل الشرق والغرب والشمال ، بل ان أصحاب الثقافات القبلية الاخري استطاعوا ان يتواصلوا مع الثقافة العربية الإسلامية باستخدام اللغة العربية المكسرة. كما ان اختلاف اللهجات لا ينفي التجانس ،لان التجانس لا يعني التطابق التام. هذا التطابق مستحيل فالتفاعل بين الجماعات البشرية لا يعني الانصهار التام لان في ثقافة أي مجموعة هناك عناصر قوية تبقي وتختفي العناصر الهشة حتى إذا كان التفاعل بين جماعات غير متكافئة في تطورها وهذا ما يفسر أسباب اختلاف اللهجات التي تنطق بها اللغة.

ان القول بان الثقافة العربية الإسلامية هي الثقافة الغالبة لأهل السودان لا يعني ذلك هيمنة هذه الثقافة علي الثقافات القبلية الاخري وإنما يقرر حقيقة واقعه رغم تعدد اللهجات.كما أن هذا الحديث لا ينطلق من رؤية سياسية تريد ان تسقط ما في ذهنها في الواقع لان الثقافة ليس مسالة فردية ، فوصف الشخص بأنه عربي يعني انه ينتمي إلي جماعة محدد لها لغتها وأدانها وطريقة تفكيرها وسلوكها وقيمها التي تكونت خلال حركة تاريخية طويلة بحيث لا يستطيع الانسان الفرد ان يتحرر او يتخلص من ذلك لأنه جزء من هذا النسيج الذي تكون وأي محاولة للتخلص الفردي تجعل الانسان مغترب داخل مجتمعهم ، فالثقافة ليس رداء نرتديه وإذا لم يعجبنا نخلعه لنتردي غيره ، فكل الذين تمسكوا في السودان باللغة الإنجليزية وحاولوا أن ويجعلوا منها لغتهم الرسمية لم يستطيعوا ان يصبحوا إنجليز.

ظلت الثقافة العربية الإسلامية قائمة في السودان كثقافة أغلبية رغم كل محاولات التخريب ، فوصف الثقافة العربية الإسلامية بالهيمنة والإقصاء من قبل القوي التي تسمي نفسها قوي السودان الجديد هي محاولة لخلق صدام بين الثقافة العربية والثقافات المحلية الاخري ،وان كان هذا الطرح موجه لنقد الأنظمة الوطنية التي قامت بعد الاستعمار سواي كانت ديمقراطية للبرالية او عسكرية شمولية إلا أن هذا الطرح يراد به تفكيك ومشايخ التاريخ الجمعي والذاكرة الجماعية التي قادت حركة النضال الوطن تاريخيا في مواجهة المستعمر التركي والإنجليزي .ويغيب في هذا الصرح الرؤية الموضوعية لتحليل تلك الأنظمة لان جميع هذه الأنظمة حاولت أن توفيق بين تلك المجموعات ولكن في حدود الحفاظ والاستمرار بالسلطة وبالتالي تعاملت مع هذا التنويع في حدود الترضيات دون الولوج لطبيعة التركيبة السودانية.

لم تقف محاولة التخريب عند هذا الحد فحاولت ان تتخذ من المكان أساس لتكوين الهوية. ففي مواجهة الثقافة العربية طرحت الأفريقية لتعبير عن الهوية والخصوصية وليس في مواجهة الكل الثقافي (الأمة العربية) وإنما في الحدود السياسية الواحدة.فلم يكتفوا بوصف السودان بأنه إفريقي ، بل تم وصف شعوب الجنوب بأنهم جنوبيين وأهل الغرب بأنهم غرابه ،وقد امتد ذلك الوصف حتى في المناطق التي أصبحت فيها الثقافة العربي راسخة فوصف أهل دنقلا بالدناقلة وسكان المناطق التي تقع شمال الخرطوم بالجعليين هكذا ليمتد ذلك لسيطر وهيمنة مكان علي أخر..

الأفريقية رابطة جغرافية لا توحدها ثقافة حتى علي مستوي الأقطار ،او قل حتى علي مستوي أهل الجنوب.فألون البشرة السوداء والشعر المجعد والأنف الأفطس هي صفات عرضية وليس جوهرية لا تصلح لتحديد الهوية الثقافية، فان أفريقيا لا تملك للغة واحدة ،بل لغات متعددة غير عالمه وهذا ينطبق علي مستوي القارة ككل او علي مستوي الأقطار في تلك القارة باستثناء شمال أفريقيا في مصر وليبيا وتونس والجزائر والتي ثقافتها هي الثقافة العربية الإسلامية، أما دون ذلك فان في أفريقيا ثقافات متعددة ليس بتعدد الدول في القارة وأنا بتعدد الجماعات في الدولة الواحدة.

لم تقف محاولة التخريب عند وصف الثقافة العربية بالهيمنة والإقصاء ، بل ذهبت لا بعد من ذلك بوصف الثقافة العربية ثقافة عنصرية واستعمارية من خلال الحديث عن العرب الاعاربه والعرب المستعربة في السودان باعتبار ان هناك عرب وآخرين تم استعرابهم بعد ان فقدوا او تخلوا عن للغاتهم وهم بهذا الفهم شعوب قد تم قهرها من العنصر العربي ، شعوب زنجية من اصل حامي تم قهرها من عرب من أصول حامية وكأن بداية التاريخ البشري كانت مع سام وحام أبناء نوح فادخلوا الإسرائيليات في تفسير حركة التاريخ .

ان الحديث عن الأصل البشري وفقاً للاعتقاد الديني في كل الشرائع السماوية هو ادم وحواء ثم انطلقت البشرية لتصبح قبائل وشعوب تكونت وفق الحركة الأفقية للتاريخ. فعندما خرج سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء من قومه أنجب إسماعيل وإسحاق ولما كان إسماعيل جد العرب وإسحاق جد الإسرائيليين فان سيدنا إبراهيم لم يكن الابن المباشر من ادم ولا ابن ولا الأبن المباشر من حام ابن نوح وبالتالي فان أي نظرة عنصرية باعتبار أن هذا جنس ارقي من جنس مغالطة تاريخية في تكوين الشعوب فإسماعيل جد العرب والدته هاجر الجارية المصرية وأبيه إبراهيم وإسحاق الذي أمه سارة فان أبيه أيضاً إبراهيم وإذا كانت الانتماء عادة عند الشعوب من جهة الأب دون الأم فليس هناك عنصر أفضل من عنصر.

أما الحديث عن الدم العربي فهو حديث تكذبه الحقائق العلمية فان الدم البشري وحسب الاختيارات المعملية من خلال الرموز العلمية لفصيلة الدم وان تلك الفصائل تتواجد في الجنس الحامي والسامي مما يؤكد ان الجنس البشري من عنصر واحد وأصبحوا شعوب وقبائل من خلال حركة التاريخ الأفقية. وقد حصل التفاوت بين تلك الشعوب نتيجة لسرعة الحركة الراسية في المجتمع وهو ما يعرف بالتطور.

أقرت القوي السياسية السودانية بالتنوع الثقافي والعرقي والديني في الدولة بعد ان زكأ نظام الإنقاذ الروح الجهوية والقبلية .وقد جاء هذا الاعتراف في إطار معارضة نظام الإنقاذ بما هو كائن في الذهنية الشعبية داخل ذلك التعدد واعتراف القوي السياسية بمبدأ حق تقرير المصير لجنوب السودان جاء من واقع هذه الذهنية لان الجنوب لا يشكل كيان ثقافي موحد في مواجهة الشمال فهذا الاعتراف الموجود في الذهنية الشعبية بالتعدد هو اعتراف سلبي يشتت ولا يوحد لإعتقاد كل مجموعة بأنها تربطها صله رحم أي رابطة الدم. وان كل بطونها من جد واحد وإنه لذلك تري بأنها تمتاز علي غيرها من المجموعات وحفاظاً علي هذه الرابطة ترفض الاختلاط بغيرها حتى لو شاركتها المجموعة الاخري في اللغة والعقيدة كما كان حادث بين مجموعات الشمال.

ان ذلك الاعتراف السلبي بالتعدد جعل التقوقع في إطار القبلية مستمر في ذهنية أبنائها حي بعد نشوء المدن نتيجة للتطور الاقتصادي الذي حدث بعد قيام الدولة المركزية التي ارتحل إليها أبناء تلك المجموعات بحثاً عن العمل فتجاور أبناء القبيلة في السكن وأصبحت أسماء الأحياء تسمي في المدن بأسماء القبيلة فهناك فريق الشايقية وحي الدناقلة وديم التعائشة وحي فلاته وهكذا. وامتد هذا التشرزم حتى في الوظيفة بعد قيام مؤسسات الدولة. وان كان التواجد بالمدنية قد فرض نوع من التفاعل بين المجموعات التي كانت توحدهم اللغة والعقيدة والراسخة فيهم تاريخياً ، أن هذا التفاعل لم يكن عن وعي بحقيقة ما يوحدهم في إطار الدولة التي تأسست بها تلك المدن وإنما أن تلك المدن قد جلبت عناصر أخري تتسم بحداثة إسلامها وانعزالها الإقليمي والجغرافي عن مركز الحضارة وان تركيبتها الاجتماعي والقبلية أكثر تخلفاً. ولذلك بدأت بعض المجموعات تتجاوز مفهوم أنا وأخي علي بان عمي إلي مفهوم أنا وابن عمي علي الغريب.

إن النخبة السياسية التقليدية التي كانت تقود الأحزاب السياسية وما زالت متأثرة بالاعتراف السلبي بذلك التعدد الثقافي في السودان الموجود في الذهنية الشعبية ، ولذلك كانت المسألة الثقافية في الحراك السياسي تأتي في المرتبة الثالثة بعد المسألة السياسية والاقتصادية علي الرغم من ان تلك الأحزاب السياسية قد تشكلت من ادخل التيارين المتصارعين قبل الاستقلال تيار الوحدة والاستقلال ولما كانت تلك التيارات قد نشأة كردود أفعال لم تستطيع تلك الأحزاب أن تقدم مشروع وطني يؤسس للوحدة او الاستقلال فظلت المسالة الثقافية مسكوت عنها وتعاملت معها في إطار الصراع السياسي علي السلطة وليس في إطار تمتين الوحدة الوطنية ،وقد اثر ذلك الصراع سلباً في مسالة الوحدة الوطنية لان الأحزاب السياسية اعتمدت في حركتها علي تلك الكبانات الاقليمة في الحصول علي السلطة دون أي اعتبار لما يوحد تلك الكباتات في الدولة التي يراد حكمها. ولما جاءت الإنقاذ بمشروعها الحضاري برزا الجانب الثقافي في أزمة الدولة السودانية وأصبح هو المحرك السياسي واخذ المرتبة الأولي وتراجعت المسالة السياسية والاقتصادية وبرزت تلك الأسئلة من جديد.

إن تقدم المسالة الثقافية في الحراك السياسي السوداني فرضته الحركات المسلحة الاقليمة في مقاومة النظام والتي أصبحت تنمو تدريجياً كمعارضة لسياسية النظام مع تضاؤل دور الأحزاب السياسية في تلك المعارضة ،ولذلك فان إقرار القوي السياسية بمبدأ التعددية الثقافية هو استجابة لما فرضته الحركات الإقليمية والمجموعة المسلحة لضمان استمرار تلك الأحزاب السياسية في الحراك السياسي الذي بدور في السودان حتى لا تفتقد مبرر وجودها بعد ان أصبح الصراع السياسي يمس المسالة الجوهرية في تكوين تلك الدولة وهي تركيبة الشعب السوداني فكان صعود المسالة الثقافية مبرر وجود وبالتالي طرحت المسالة الثقافية كمسالة منفصلة دون نظره لعلاقتها الجداليه مع المسالة السياسية والاقتصادية في تركيبة الدول السودانية . ولكن إذا لم تعرف من نحن لا نستطيع أن نعرف ماذا تريد.



قضية الهوية في تركيبة الدولة السودانية





أن قيام الدولة لا يشترط فيها وحدة الهوية الثقافية ، فذلك ليس ضرورة حتمية او شرط لاغني عنه لوحده الدولة ، فهناك دول تفتت وانقسمت رغم وحدة الهوية الثقافية مثل كوريا وباكستان، وهناك دول قامت وازدهرت كالولايات المتحدة الأمريكية رغم تعدد الهوايات المكون لها .

إن أمريكا والتي استطاعت أن تصبح قوي عظمي خلال قرنين من الزمان والقوي العالمية الأولي في بداية القرن الثالث لها ، لم تقم علي وحدة الجنس أو اللون او اللغة او الدين ،وإنما كانت شتات من جنسيات وثقافات متعددة (فرنسية وبرتقالية وأسبانية وألمانية وإنجليزية , بالإضافة إلي العبيد الذين جلبوا إليها من أفريقيا) وديانات المختلفة .ولكنها استطاعت أن توحد بين ذلك الشتات في دولة واحدة وتخلق مجتمع متجانس بعد الحرب الأهلية التي وحدت بين الشمال والجنوب وتقيم إمبراطورية تسعي للهيمنة علي العالم علي الرغم من أن الجماعات المكون لها كانت تمتلك ثقافات لها لغتها العالمة.

أن نموذج الدولة الأمريكية التي تأسست في القرن الثامن عشر قريب إلي الأذهان ويجعنا لا ننظر إلي التاريخ في حركة سيره بأنه عمودي منذ نشأة الخليقة، وإنما أفقي من لحظة محدده هي لحظة تأسيس الدولة فان تلك الدولة لم تقم علي قاعدة شعب بعينه او أمه بذاتها او عقيدة دينية حلت في الأرض، بل كانت النشأة والظهور في إطار مغامرة تاريخية انتهي فيها التفاعل الأفقي بين تلك المجموعات المغامرة إلي الحرب الأهلية ومن ثم تكونت الدولة التي تطورت راسياً ووصلت إلي ما واصلت إليه الآن.

أن الدولة السودانية التي نشأت ، قامت علي جمع دويلات كانت قائمة علي الأرض ضمت إليها مجموعات بشرية في الشرق والجنوب كانت تعيش خارج سياق تاريخ تلك الدويلات التي ضمت إليها في دولة مركزية(ربما كانت تلك المجموعات متجهة نحو تكوين دولتها) وان تلك الدويلات كانت قائمة علي ولاءات قبلية وإقليمية .وان كانت السلطنة الزرقاء احد تلك الدويلات والتي تأسست عام1505م قد بسطت نفوذها داخل حدودها السياسية علي مجموعات متعددة ومختلفة لم تستطيع أن تخلق التجانس بين تلك المجموعات، فالتحالف الذي إنشاء تلك الدولة ( فونج / عبدلاب) لم يكن مستقر وكثيراً ما كانت تحدث فيه مناوشات ،وبالتالي لم تستطع أن تمنع القبائل التي تقع تحت سيطرتها من الإغارة علي بعضها البعض، ولذلك لم تستطع أيضاً أن توحد الدويلات الاخري إلي أن جاءت جيوش محمد علي باشا.

لقد ظلت الولاءت القبلية والإقليمية قائمة في تلك الجماعات والكيانات حتى بعد تأسيس الدولة المركزية في عهد محمد علي لغياب المشروع الذي يستوعب تلك البناءت القبلية والإقليمية رغم الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي ادخلها محمد علي في الدولة المركزية ،لان مشروع محمد علي المتجه نحو الخلافة الإسلامية منطلقاً من مصر كقاعدة له لم يكن السودان قبل او بعد محمد علي جزء منه وبتالي ظل السودان دون تجانس رغم قيام السلطة المركزية .

أن الحركة الصوفية والتي استطاعت أن تخترق الحواجز القبلية والإقليمية لما وجدوه مشائخ تلك الطرق من احترام وتأييد من كل تلك المجموعات لم تستطيع أن تخلق التجانس المطلوب لقيام الدولة علي الرغم من أن ذلك التأييد والاحترام ساهم مساهمة أساسية في انتصار الثورة المهدية .ويعود فشل الحركات الصوفية في خلق ذلك التجانس لسببين :

أولاً: أن معظم مشائخ الطرق الصوفية كانوا يهربون من السلطة ويتضح ذلك من معارضة الشيخ عبد المحمود نور الدائم لفكرت الشيخ محمد شريف لتجميع الطرق الصوفية لتكون بديل لسلطة الأتراك.

ثانياً: أن الطرق الصوفية لم تكن موحدة إذ أنها موزعة الولاء لمجموعة شيوخ وطرق رغم ان كل المدارس الصوفية تنتهج من مصدر واحد في التصوف.

ولذلك لم تستطيع الحركة المهدية ان تخلق كيان موحد ومتجانس علي الرغم من أنها استطاعت ان تقود كل أهل السودان في مسيرة شاملة تحدياً للحكم الأجنبي في أول تاريخ مشترك وان تصادر كل الحركات الصوفية الاخري وتلغي العمل بالمذاهب السنية الأربعة .فظلت القبلية والاقليمة فاعلة في الدولة السودانية ، وما زالت أثارها ممتدة إلي الحاضر.

أصبحت الحركات الجهوية تعلب الدور الأساس في الحراك السياسي علي الرغم من مرور أكثر من ستين عام علي نشأة الأحزاب السياسية في الدولة السودانية. فان تلك الأحزاب اتجهت للاستقلال في إطار الصراع السياسي بين تيار الوحدة والاستقلال ولم تجيب القوي السياسية علي الأسئلة التي كان يطرحها هذا الصراع مثل هل نحن وطن أم أمه ؟ فإذا كنا أمه هل هي قائمة بذاتها أم لها امتداد خارج الحدود السياسية للدولة ؟ وإذا كنا وطن هل هناك ما هو مشترك يوحد بينا غير الحدود السياسية المعترف بها دولياً ؟

ان أقصي ما وصلت إليه الأحزاب السياسية في الإجابة عن لتلك الأسئلة التي فرضها الصراع بين الوحدويين والاستقلاليين وهو أننا سودانيين وظنت تلك القوي بان تلك الإجابة كافية في إطار صراعها علي السلطة ،دون ان تدرك ان ذلك الجواب يطرح سؤال غاية في الخطورة وهو ما هي الخصائص الجوهرية التي تميزنا نحن كسودانيين عن غيرنا حتى نطلق علي كل من ينتمي لتلك الحدود السياسية بأنه سوداني ؟

ان المسالة الثقافية غابت عن الأحزاب في العمل السياسي ، وإذا طرحت كانت تأتي في المرتبة الثالثة بعد القضية السياسية والاقتصادية ويرجع ذك إلي طبيعة تكوين بعض تلك الأحزاب والي ايدولوجية البعض الأخر. فالحزبين الكبيرين (الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة).كما يطلقوا علي أنفسهم او يطلق الآخرين عليهم هذا الوصف كانت نشأتهما رد فعل لسياسية محددة دون البحث في تركيبة الواقع السوداني تاريخياً وحضاريا واجتماعياً وفكرياً.

فالحزب الاتحاد الديمقراطي (الأحزاب الاتحادية قبل التوحد) نشأ كرد فعل للسياسة البريطانية التي عملت علي تقليص نفوذ مصر عسكرياً وإدارياَ وثقافياً ،ويري في ذلك الموقف صورة من صور المقاومة للمستعمر، إلا ان هذا التيار والذي نشأت منه الأحزاب الاتحادية وقف بطريقة غير مباشرة ضد السلطة الوطنية التي منحها المستعمر لزعماء الطوائف والعشائر بغرض الاستغناء عن المصريين ،دون ان يؤسس لتلك الوحدة المنشودة مع مصر من واقع التركيبة السودانية.

أما حزب الأمة والذي نشأ من وسط التيار الاستغلالي بعد تجميع الأنصار في الجزيرة أبا - بعد ان منحت كالقطاعية للسيد عبد الرحمن المهدي - كانت نشأته ردة فعل ، فالاستقلال عن مصر يحفظ تلك السلطة التي منحت للوطنين ،بل ويعيد السلطة التي سلبها المستعمر باحتلال السودان والتي كانت في يد خليفة المهدي وقد أسس حزب الأمة لذلك الاستغلال بشعار البلد بلدنا ونحن أسياده وانعكست طبيعة تلك النشأ للحزبين الكبريين علي مجمل سياستهم في الحركة السياسية ولذلك غابت عنهم في كثير من الأحيان المسألة الثقافية.

أما الحزب الشيوعي السوداني والذي كان ضمن تيار الحركة الاستغلالية تحت غطاء الجبهة المعادية للاستعمارـ فقد جاء وفقاً لرؤية منهجية وفلسفية تفسر حركة سير التاريخ . وقد أسقطت تلك الرؤية قسراً علي تركيبة الشعب السوداني القبلية والإقليمية المتعددة باعتبارها تمثل نمطاً اقتصادياً واحداً. وقد حجبت عنه تلك الرؤية الفلسفية تركيبة الشعب السوداني المتفاوتة في التطور الثقافي كما حجبت عنه طبيعة المجتمع القبلي الذي يعتمد علي العصبية العرقية ، فهو يرفض التنوع ويتعصب عنصريا لما يرفض.

أما الحركة الإسلامية السياسية ، فهي حركة سلفيه توفقيه تلفيقية في أيدلوجيتها تصادر الحاضر باسم الماضي وبتالي لم تدرك تركيبة الشعب السوداني تاريخياً وحضاريا، فهي تري في السلطنة الزرقاء بأنها دولة إسلامية وأن ثورة المهدي ثورة إسلامية رغم أنها أعطلت المذاهب وطرح راتب المهدي بديل عنها وتري في شعوب الجنوب بأنهم أهل ذمة يعطون الجزئية عن يدٍ وهم صاغرون ولم تستطيع التوفقيه والتلفيقية ان تجمع ذلك الشتات المكون للدولة السودانية.

أما الجنوب والذي أصبح جزء من الدولة السودانية عام 1875م، وحاول المستعر عزله بقانون المناطق المقفولة وأعاده في مؤتمر جوبا عام1947م لتقوية تيار الاستقلاليين . فالقبلية هي محور تفكير وسلوك معظم قيادته كما ان تلك القيادات قد كيفت بشكل معادي للشمال ونما ذلك التكييف في ظل ممارسة الأنظمة السياسية الوطنية التي قامت بعد الاستقلال لغياب القضية الثقافية في برنامج الأحزاب السياسية التي نشأة قبل خروج المستعمر.

ان غياب الحراك الثقافي حول تركيبة الشعب السوداني الذي يشكل الدولة السودانية جعل تلك الدولة تعاني من المسالة الاثنية سواء كانت عرقية او دينية وقد عمقت هذه المسالة ممارسة القوي السياسية الوطنية التي ورثت السلطة من المستعر فقد تعامل مع تلك المسالة ليس في إطار تمتين الوحدة والوطنية التي تحققت تاريخياً سواء بمساهمات الحركات الصوفية او بدخول محمد علي وخلق الدولة المركزية او بقيام الثورة المهدية او حركة المقاومة الوطنية للمستعمر ،وإنما في إطار الصراع علي السلطة وإقصاء الأخر.

ظلت الاثنية قائمة في السودان علي الرغم من مضي ما يقارب القرنين من تأسيسه وبدأت تتشكل في كيانات جهوية وإقليمية تعلب دور متنامي في الحراك السياسي وأقص ما وصلت إليه القوي السياسية الوطنية في فهم تلك الظاهرة بأنها من سياسات المستعمر. فكما علقت القوي السياسية الوطنية تمرد حامية توريت عام1955م علي شماعة المستعمر علقت علي تلك الشماعة كل الصراعات الجهوية والإقليمية وبالتالي لم تري في الحركة الشعبية وما تطرح من شعار السودان الجديد الذي ظل يروج له بعض الشماليين سواء أنها قوي مسلحة لمقاومة نظام جعفر نميري التي تسعي هي لإسقاطه إلي ان جاءت حركة الإنقاذ بمشروعها الحضاري ونهجها المتطرف الذي يسعى لتمكين ذلك المشروع فولد تطرف مقابل لا يرفض الإسلام فقط ، بل يرفض عروبة الشمال فطرحت الأفريقية في مواجهة العروبة في طار الدولة الواحدة بعد ان كانت تطرح في مواجهة تيار القومية العربية الناهض في المنطقة بعد قيام ثورة 23 يوليو في مصر فبررت تلك الأسئلة من جديد.

ان المسالة الثقافية في الحراك السياسي بدأت تتقدم علي غيرها من الجوانب السياسية والاقتصادية ،وقد ساعد علي ذلك ان المسالة الثقافية أصبحت تقلق مضاجع المجتمع الدولي بعد سقوط حائط برلين وتفتت الجمهوريات اليوغسلافية وانفراط عقد الاتحاد السوفيتي وقيام الجمهوريات وبروز حروب التطهير العرقي وقد تزامن كل هذا مع قيام نظام الجبهة القومية الإسلامية في السودان وتجميدها المتطرف في مسالة طرح الإسلام والعروبة وخاصة بعد ان أصبحت الحركة الشعبية لتحرير السودان جزء من المعارضة في إطار التجمع الوطني.

برزت في حركة المعارضة بالقاهرة قوي سياسية تطلق علي نفسها قوي السودان الجديد ومعظم عناصر هذه القوي تم استقطابها بجمهورية مصر العربية من الشباب الذين فروا من نظام الإنقاذ بعد ان قلب ذلك النظام كيانهم وأطلعوا إلي الهجرة للعالم الجديد (أمريكا الذي أطلق عليها ذلك الاسم المهاجرين الأوائل) والتي كان يبدأ مشوارها من القاهرة.. ومعظم قيادات هذه القوي من خريجي المدرسة الماركسية التي تربة علي ان الدعوى للتوحد القومي هي دعوى برجوازية وان الصراع الاقتصادي بين الشمال والجنوب هو سيطرت المركز علي الهامشين وقد بدأ هؤلاء مشروعهم الحضاري او نقاشهم عن الهوية بنفي عروبة الشمال ،وقد برز علي السطح في فكر هؤلاء مصطلح مثل السودانوية كهوية تميز الشعب السوداني.

ان مصطلح الهوية مصطلح فلسفي وضعه المناطق وهو لفظ مشتق من الضمير (هو) ويقصد به الإجابة علي السؤال ما هو ؟ أي تعريف الشيء. والإجابة علي هذا السؤال تكون بإبراز الصفات الجوهرية للشيء المراد تعريفه وتحديد خصائصه التي تميزه عن غيره من الأشياء الاخري. وقد فرق المناطق بين نوعين من صفات ، صفات جوهرية وصفات عرضيه. والصفة الجوهرية تبقي دائمة في الشيء ، أما الصفات العرضه قد توجد في الشيء المراد تعريفه مع الصفة الجوهرية وتختفي في شيء أخر .وحتى لا نخوض في حديث فلسفي يصبح معه الحوار مقصور علي قله قليلة .فالصفة الجوهرية مثل قولنا الانسان حيوان ناطق ، فوصفه حيوان وناطق هي صفات جوهرية لتعريف الانسان ، أما قولنا الانسان حيوان ناطق ضخم ، فان صفه ضخم صفة عرضية فقد يكون الانسان قزم. فوصف الانسان بأنه ضخم او قزم ليس من الصفات الجوهرية في تعريف الانسان.

وقد استخدم لفظ هوية في المصطلح العربي لإثبات الشخصية أي لتعريف الشخصية او جنسيته . وفي الغالب ان التعريف بالجنسية يتم بالحدود السياسية فهذا مصري وهذا فرنسي وذاك خليجي .والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو المشترك غير الحدود السياسية التي جعلتنا نطلق ذلك الوصف مصري او فرنسي او خلافه علي الشخصية ؟ فالذي يميز المصري عن الفرنسي ليس الحدود السياسية وإنما لغة التخاطب .فاللغة المشتركة هي التي تميز جنسية عن أخري، فاللغة هي الحامل لثقافة الشعوب وهي أداة التعبير عن الثقافة ، والثقافة هي الحياة العقلية السائدة لدي شعب معين.

ان قضية الهوية مرتبطة بالثقافة ،والثقافة لا يمكن تناولها إلا في ظل مجموعة معينة من البشر ، فهي ظاهرة بشرية تخص مجموعة محددة وأي حديث مجرد عن الثقافة لا معني له إذ لم يضاف إلي مجموعة بشرية ،وان هذه المجموعة يسودها وعي يجعلها تحسن بأنها كلاً واحدا.فهل السودان بتركيبته داخل الحدود السياسية الدولية المعترف بها يحسن بأنه يشكل كلا واحداً يمكن ان نطلق عليه السودانوية ؟

ان لحظة تأسيس الدولة السودانية كما ذكرنا جمعت شتات من القبائل في حدود سياسية .هذا الجمع لم يكن وفق مشروع نابع من داخل هذا الشتات وإنما جاء من خارج الإطار لتحقيق حلم لم يكن ذلك الشتات جزء منه او طرفا فيه . ان الدويلات التي كانت قائمة وثم توحديها في إطار السودان لم تكن منفعلة بذلك الحلم الذي يتوجه نحو الخلافة الإسلامية علي الرغم من ثقافتها العربية الإسلامية التي كانت غالبة في ذلك الشتات الذي توحد في دولة مركزية واحده .فهي الثقافة الغالبة في الشمال والوسط والغرب وهذه الثقافة العربية الإسلامية قائمة منذ فترة تاريخية طويلة ، وقد امتدت بشكل رضائي وطوعي في تلك المجتمعات من خلال حركة التاريخ الأفقية فالعرب المسلمين وان كانوا قد فتحوا مصر بقيادة عمر بن العاص فإنهم اكتفوا من شعوب جنوب مصر باتفاقية البغض.

لقد امتدت الثقافية العربية الإسلامية جنوب مصر من خلال التفاعل مع ثقافات شعوب المجموعات التي كانت تسكن في تلك المنطقة. وان انحسار لغات وثقافات تلك المجموعات المحلية لا يعني ان الثقافة العربية الإسلامية قد أقصتها وهيمنت عليها قسراً فجيوش العرب المسلمين توقفت جنوب مصر. وإنما يرجع ذلك للثقافة العربية نفسها إذ أنها ثقافة عالمه أي ان لغتها تكتب عكس الثقافات المحلية التي كانت سائدة فهي ثقافات شفهيه. فالثقافة العربية ثقافة حيه لغة وأدب ودين وفكر متغلغلة في العقل والشعور وفي الفكر والسلوك لمجموعات بشرية تعيش جنب إلي جنب مع ثقافات أخري غير عالمه وما يؤكد بان إحلال الثقافة العربية محل الثقافات التي كانت قائمة لم يتم قسراً فان أثار تلك الثقافات المحلية ظلت قائمة في الثقافة العربية فأصبحت العربية تنطق بإشكال مختلفة مثل عربي الشرق وعربي الغرب ولم تقف عند هذا الحد بل امتدت نحو الجنوب لتنتج عربي جوبا ذو اللهجة الجنوبية مما جعل اللغة العربية أداة تخاطب بين كل أهل السودان.

ان ذلك التفاعل التلقائي والتمدد الطوعي للثقافة العربية تم في عصر السقوط العربي العام الذي بدأ بسقوط قرناطة وبزوغ فجر العصر الإمبراطوري الثاني الذي رفع لواء المسيحية. فالسودان ولد في ذلك العصر الذي بدأ فيه المستعمر حملته لتدمير الثقافة العربية الإسلامية التي استطاعت ان تقيم إمبراطورية تهيمن علي العالم أكثر من أربعة عشر قرناً. وكانت بدايات تلك الحملة التشكيك في الهوية الحضارية. وبدأ الحديث عن القهر والإقصاء كجوهر للثقافة العربية الإسلامية يقصد التحريض السياسي للجماعات التي ما زالت محتفظة بالغاتها في السودان وخاصة في الجنوب علي الرغم من إنها حاولت ان تجعل من للغة المستعرة وثقافته لغة وثقافة لتلك الجامعات لان هناك بعض الجماعات في بعض الدول قد تراجعت ثقافتها او اندثرت لصالح اللغة الإنجليزية والفرنسية مع أنها لم تكن لغات محلية لأي من المجموعات المشكلة لتلك الدول.

ان الثقافة الغالبة في الحدود السياسية التي تسمي السودان هي الثقافة العربية الإسلامية ،وهذا لا يعني بأنها الثقافة الوحيدة في تلك الحدود بل ان هناك ثقافات أخري ، هي ثقافات المجموعات القبلية وهي ثقافة اقل نمو من الثقافة العربية الإسلامية لان الاخيره قد تنامت راسياً. ولا ينقص من أنها ثقافة عربية إسلامية اللهجات المختلفة للغة العربية . ان ذلك الاختلاف في اللهجات لا يؤثر في التواصل بين أهل الشرق والغرب والشمال ، بل ان أصحاب الثقافات القبلية الاخري استطاعوا ان يتواصلوا مع الثقافة العربية الإسلامية باستخدام اللغة العربية المكسرة. كما ان اختلاف اللهجات لا ينفي التجانس ،لان التجانس لا يعني التطابق التام. هذا التطابق مستحيل فالتفاعل بين الجماعات البشرية لا يعني الانصهار التام لان في ثقافة أي مجموعة هناك عناصر قوية تبقي وتختفي العناصر الهشة حتى إذا كان التفاعل بين جماعات غير متكافئة في تطورها وهذا ما يفسر أسباب اختلاف اللهجات التي تنطق بها اللغة.

ان القول بان الثقافة العربية الإسلامية هي الثقافة الغالبة لأهل السودان لا يعني ذلك هيمنة هذه الثقافة علي الثقافات القبلية الاخري وإنما يقرر حقيقة واقعه رغم تعدد اللهجات.كما أن هذا الحديث لا ينطلق من رؤية سياسية تريد ان تسقط ما في ذهنها في الواقع لان الثقافة ليس مسالة فردية ،
avatar
عاصم
المدير العام
المدير العام

رقم العضويه : 1
عدد المساهمات : 56
نقاط : 2147483647
تاريخ التسجيل : 30/07/2010
العمر : 29
الموقع : الخرطوم

http://nasersudan.1fr1.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قضية الهويه في تركيب الدوله السودانيه

مُساهمة  عاصم في الأربعاء أغسطس 04, 2010 4:39 pm

قضية الهوية في تركيبة الدولة السودانية





أن قيام الدولة لا يشترط فيها وحدة الهوية الثقافية ، فذلك ليس ضرورة حتمية او شرط لاغني عنه لوحده الدولة ، فهناك دول تفتت وانقسمت رغم وحدة الهوية الثقافية مثل كوريا وباكستان، وهناك دول قامت وازدهرت كالولايات المتحدة الأمريكية رغم تعدد الهوايات المكون لها .

إن أمريكا والتي استطاعت أن تصبح قوي عظمي خلال قرنين من الزمان والقوي العالمية الأولي في بداية القرن الثالث لها ، لم تقم علي وحدة الجنس أو اللون او اللغة او الدين ،وإنما كانت شتات من جنسيات وثقافات متعددة (فرنسية وبرتقالية وأسبانية وألمانية وإنجليزية , بالإضافة إلي العبيد الذين جلبوا إليها من أفريقيا) وديانات المختلفة .ولكنها استطاعت أن توحد بين ذلك الشتات في دولة واحدة وتخلق مجتمع متجانس بعد الحرب الأهلية التي وحدت بين الشمال والجنوب وتقيم إمبراطورية تسعي للهيمنة علي العالم علي الرغم من أن الجماعات المكون لها كانت تمتلك ثقافات لها لغتها العالمة.

أن نموذج الدولة الأمريكية التي تأسست في القرن الثامن عشر قريب إلي الأذهان ويجعنا لا ننظر إلي التاريخ في حركة سيره بأنه عمودي منذ نشأة الخليقة، وإنما أفقي من لحظة محدده هي لحظة تأسيس الدولة فان تلك الدولة لم تقم علي قاعدة شعب بعينه او أمه بذاتها او عقيدة دينية حلت في الأرض، بل كانت النشأة والظهور في إطار مغامرة تاريخية انتهي فيها التفاعل الأفقي بين تلك المجموعات المغامرة إلي الحرب الأهلية ومن ثم تكونت الدولة التي تطورت راسياً ووصلت إلي ما واصلت إليه الآن.

أن الدولة السودانية التي نشأت ، قامت علي جمع دويلات كانت قائمة علي الأرض ضمت إليها مجموعات بشرية في الشرق والجنوب كانت تعيش خارج سياق تاريخ تلك الدويلات التي ضمت إليها في دولة مركزية(ربما كانت تلك المجموعات متجهة نحو تكوين دولتها) وان تلك الدويلات كانت قائمة علي ولاءات قبلية وإقليمية .وان كانت السلطنة الزرقاء احد تلك الدويلات والتي تأسست عام1505م قد بسطت نفوذها داخل حدودها السياسية علي مجموعات متعددة ومختلفة لم تستطيع أن تخلق التجانس بين تلك المجموعات، فالتحالف الذي إنشاء تلك الدولة ( فونج / عبدلاب) لم يكن مستقر وكثيراً ما كانت تحدث فيه مناوشات ،وبالتالي لم تستطع أن تمنع القبائل التي تقع تحت سيطرتها من الإغارة علي بعضها البعض، ولذلك لم تستطع أيضاً أن توحد الدويلات الاخري إلي أن جاءت جيوش محمد علي باشا.

لقد ظلت الولاءت القبلية والإقليمية قائمة في تلك الجماعات والكيانات حتى بعد تأسيس الدولة المركزية في عهد محمد علي لغياب المشروع الذي يستوعب تلك البناءت القبلية والإقليمية رغم الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي ادخلها محمد علي في الدولة المركزية ،لان مشروع محمد علي المتجه نحو الخلافة الإسلامية منطلقاً من مصر كقاعدة له لم يكن السودان قبل او بعد محمد علي جزء منه وبتالي ظل السودان دون تجانس رغم قيام السلطة المركزية .

أن الحركة الصوفية والتي استطاعت أن تخترق الحواجز القبلية والإقليمية لما وجدوه مشائخ تلك الطرق من احترام وتأييد من كل تلك المجموعات لم تستطيع أن تخلق التجانس المطلوب لقيام الدولة علي الرغم من أن ذلك التأييد والاحترام ساهم مساهمة أساسية في انتصار الثورة المهدية .ويعود فشل الحركات الصوفية في خلق ذلك التجانس لسببين :

أولاً: أن معظم مشائخ الطرق الصوفية كانوا يهربون من السلطة ويتضح ذلك من معارضة الشيخ عبد المحمود نور الدائم لفكرت الشيخ محمد شريف لتجميع الطرق الصوفية لتكون بديل لسلطة الأتراك.

ثانياً: أن الطرق الصوفية لم تكن موحدة إذ أنها موزعة الولاء لمجموعة شيوخ وطرق رغم ان كل المدارس الصوفية تنتهج من مصدر واحد في التصوف.

ولذلك لم تستطيع الحركة المهدية ان تخلق كيان موحد ومتجانس علي الرغم من أنها استطاعت ان تقود كل أهل السودان في مسيرة شاملة تحدياً للحكم الأجنبي في أول تاريخ مشترك وان تصادر كل الحركات الصوفية الاخري وتلغي العمل بالمذاهب السنية الأربعة .فظلت القبلية والاقليمة فاعلة في الدولة السودانية ، وما زالت أثارها ممتدة إلي الحاضر.

أصبحت الحركات الجهوية تعلب الدور الأساس في الحراك السياسي علي الرغم من مرور أكثر من ستين عام علي نشأة الأحزاب السياسية في الدولة السودانية. فان تلك الأحزاب اتجهت للاستقلال في إطار الصراع السياسي بين تيار الوحدة والاستقلال ولم تجيب القوي السياسية علي الأسئلة التي كان يطرحها هذا الصراع مثل هل نحن وطن أم أمه ؟ فإذا كنا أمه هل هي قائمة بذاتها أم لها امتداد خارج الحدود السياسية للدولة ؟ وإذا كنا وطن هل هناك ما هو مشترك يوحد بينا غير الحدود السياسية المعترف بها دولياً ؟

ان أقصي ما وصلت إليه الأحزاب السياسية في الإجابة عن لتلك الأسئلة التي فرضها الصراع بين الوحدويين والاستقلاليين وهو أننا سودانيين وظنت تلك القوي بان تلك الإجابة كافية في إطار صراعها علي السلطة ،دون ان تدرك ان ذلك الجواب يطرح سؤال غاية في الخطورة وهو ما هي الخصائص الجوهرية التي تميزنا نحن كسودانيين عن غيرنا حتى نطلق علي كل من ينتمي لتلك الحدود السياسية بأنه سوداني ؟

ان المسالة الثقافية غابت عن الأحزاب في العمل السياسي ، وإذا طرحت كانت تأتي في المرتبة الثالثة بعد القضية السياسية والاقتصادية ويرجع ذك إلي طبيعة تكوين بعض تلك الأحزاب والي ايدولوجية البعض الأخر. فالحزبين الكبيرين (الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة).كما يطلقوا علي أنفسهم او يطلق الآخرين عليهم هذا الوصف كانت نشأتهما رد فعل لسياسية محددة دون البحث في تركيبة الواقع السوداني تاريخياً وحضاريا واجتماعياً وفكرياً.

فالحزب الاتحاد الديمقراطي (الأحزاب الاتحادية قبل التوحد) نشأ كرد فعل للسياسة البريطانية التي عملت علي تقليص نفوذ مصر عسكرياً وإدارياَ وثقافياً ،ويري في ذلك الموقف صورة من صور المقاومة للمستعمر، إلا ان هذا التيار والذي نشأت منه الأحزاب الاتحادية وقف بطريقة غير مباشرة ضد السلطة الوطنية التي منحها المستعمر لزعماء الطوائف والعشائر بغرض الاستغناء عن المصريين ،دون ان يؤسس لتلك الوحدة المنشودة مع مصر من واقع التركيبة السودانية.

أما حزب الأمة والذي نشأ من وسط التيار الاستغلالي بعد تجميع الأنصار في الجزيرة أبا - بعد ان منحت كالقطاعية للسيد عبد الرحمن المهدي - كانت نشأته ردة فعل ، فالاستقلال عن مصر يحفظ تلك السلطة التي منحت للوطنين ،بل ويعيد السلطة التي سلبها المستعمر باحتلال السودان والتي كانت في يد خليفة المهدي وقد أسس حزب الأمة لذلك الاستغلال بشعار البلد بلدنا ونحن أسياده وانعكست طبيعة تلك النشأ للحزبين الكبريين علي مجمل سياستهم في الحركة السياسية ولذلك غابت عنهم في كثير من الأحيان المسألة الثقافية.

أما الحزب الشيوعي السوداني والذي كان ضمن تيار الحركة الاستغلالية تحت غطاء الجبهة المعادية للاستعمارـ فقد جاء وفقاً لرؤية منهجية وفلسفية تفسر حركة سير التاريخ . وقد أسقطت تلك الرؤية قسراً علي تركيبة الشعب السوداني القبلية والإقليمية المتعددة باعتبارها تمثل نمطاً اقتصادياً واحداً. وقد حجبت عنه تلك الرؤية الفلسفية تركيبة الشعب السوداني المتفاوتة في التطور الثقافي كما حجبت عنه طبيعة المجتمع القبلي الذي يعتمد علي العصبية العرقية ، فهو يرفض التنوع ويتعصب عنصريا لما يرفض.

أما الحركة الإسلامية السياسية ، فهي حركة سلفيه توفقيه تلفيقية في أيدلوجيتها تصادر الحاضر باسم الماضي وبتالي لم تدرك تركيبة الشعب السوداني تاريخياً وحضاريا، فهي تري في السلطنة الزرقاء بأنها دولة إسلامية وأن ثورة المهدي ثورة إسلامية رغم أنها أعطلت المذاهب وطرح راتب المهدي بديل عنها وتري في شعوب الجنوب بأنهم أهل ذمة يعطون الجزئية عن يدٍ وهم صاغرون ولم تستطيع التوفقيه والتلفيقية ان تجمع ذلك الشتات المكون للدولة السودانية.

أما الجنوب والذي أصبح جزء من الدولة السودانية عام 1875م، وحاول المستعر عزله بقانون المناطق المقفولة وأعاده في مؤتمر جوبا عام1947م لتقوية تيار الاستقلاليين . فالقبلية هي محور تفكير وسلوك معظم قيادته كما ان تلك القيادات قد كيفت بشكل معادي للشمال ونما ذلك التكييف في ظل ممارسة الأنظمة السياسية الوطنية التي قامت بعد الاستقلال لغياب القضية الثقافية في برنامج الأحزاب السياسية التي نشأة قبل خروج المستعمر.

ان غياب الحراك الثقافي حول تركيبة الشعب السوداني الذي يشكل الدولة السودانية جعل تلك الدولة تعاني من المسالة الاثنية سواء كانت عرقية او دينية وقد عمقت هذه المسالة ممارسة القوي السياسية الوطنية التي ورثت السلطة من المستعر فقد تعامل مع تلك المسالة ليس في إطار تمتين الوحدة والوطنية التي تحققت تاريخياً سواء بمساهمات الحركات الصوفية او بدخول محمد علي وخلق الدولة المركزية او بقيام الثورة المهدية او حركة المقاومة الوطنية للمستعمر ،وإنما في إطار الصراع علي السلطة وإقصاء الأخر.

ظلت الاثنية قائمة في السودان علي الرغم من مضي ما يقارب القرنين من تأسيسه وبدأت تتشكل في كيانات جهوية وإقليمية تعلب دور متنامي في الحراك السياسي وأقص ما وصلت إليه القوي السياسية الوطنية في فهم تلك الظاهرة بأنها من سياسات المستعمر. فكما علقت القوي السياسية الوطنية تمرد حامية توريت عام1955م علي شماعة المستعمر علقت علي تلك الشماعة كل الصراعات الجهوية والإقليمية وبالتالي لم تري في الحركة الشعبية وما تطرح من شعار السودان الجديد الذي ظل يروج له بعض الشماليين سواء أنها قوي مسلحة لمقاومة نظام جعفر نميري التي تسعي هي لإسقاطه إلي ان جاءت حركة الإنقاذ بمشروعها الحضاري ونهجها المتطرف الذي يسعى لتمكين ذلك المشروع فولد تطرف مقابل لا يرفض الإسلام فقط ، بل يرفض عروبة الشمال فطرحت الأفريقية في مواجهة العروبة في طار الدولة الواحدة بعد ان كانت تطرح في مواجهة تيار القومية العربية الناهض في المنطقة بعد قيام ثورة 23 يوليو في مصر فبررت تلك الأسئلة من جديد.

ان المسالة الثقافية في الحراك السياسي بدأت تتقدم علي غيرها من الجوانب السياسية والاقتصادية ،وقد ساعد علي ذلك ان المسالة الثقافية أصبحت تقلق مضاجع المجتمع الدولي بعد سقوط حائط برلين وتفتت الجمهوريات اليوغسلافية وانفراط عقد الاتحاد السوفيتي وقيام الجمهوريات وبروز حروب التطهير العرقي وقد تزامن كل هذا مع قيام نظام الجبهة القومية الإسلامية في السودان وتجميدها المتطرف في مسالة طرح الإسلام والعروبة وخاصة بعد ان أصبحت الحركة الشعبية لتحرير السودان جزء من المعارضة في إطار التجمع الوطني.

برزت في حركة المعارضة بالقاهرة قوي سياسية تطلق علي نفسها قوي السودان الجديد ومعظم عناصر هذه القوي تم استقطابها بجمهورية مصر العربية من الشباب الذين فروا من نظام الإنقاذ بعد ان قلب ذلك النظام كيانهم وأطلعوا إلي الهجرة للعالم الجديد (أمريكا الذي أطلق عليها ذلك الاسم المهاجرين الأوائل) والتي كان يبدأ مشوارها من القاهرة.. ومعظم قيادات هذه القوي من خريجي المدرسة الماركسية التي تربة علي ان الدعوى للتوحد القومي هي دعوى برجوازية وان الصراع الاقتصادي بين الشمال والجنوب هو سيطرت المركز علي الهامشين وقد بدأ هؤلاء مشروعهم الحضاري او نقاشهم عن الهوية بنفي عروبة الشمال ،وقد برز علي السطح في فكر هؤلاء مصطلح مثل السودانوية كهوية تميز الشعب السوداني.

ان مصطلح الهوية مصطلح فلسفي وضعه المناطق وهو لفظ مشتق من الضمير (هو) ويقصد به الإجابة علي السؤال ما هو ؟ أي تعريف الشيء. والإجابة علي هذا السؤال تكون بإبراز الصفات الجوهرية للشيء المراد تعريفه وتحديد خصائصه التي تميزه عن غيره من الأشياء الاخري. وقد فرق المناطق بين نوعين من صفات ، صفات جوهرية وصفات عرضيه. والصفة الجوهرية تبقي دائمة في الشيء ، أما الصفات العرضه قد توجد في الشيء المراد تعريفه مع الصفة الجوهرية وتختفي في شيء أخر .وحتى لا نخوض في حديث فلسفي يصبح معه الحوار مقصور علي قله قليلة .فالصفة الجوهرية مثل قولنا الانسان حيوان ناطق ، فوصفه حيوان وناطق هي صفات جوهرية لتعريف الانسان ، أما قولنا الانسان حيوان ناطق ضخم ، فان صفه ضخم صفة عرضية فقد يكون الانسان قزم. فوصف الانسان بأنه ضخم او قزم ليس من الصفات الجوهرية في تعريف الانسان.

وقد استخدم لفظ هوية في المصطلح العربي لإثبات الشخصية أي لتعريف الشخصية او جنسيته . وفي الغالب ان التعريف بالجنسية يتم بالحدود السياسية فهذا مصري وهذا فرنسي وذاك خليجي .والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو المشترك غير الحدود السياسية التي جعلتنا نطلق ذلك الوصف مصري او فرنسي او خلافه علي الشخصية ؟ فالذي يميز المصري عن الفرنسي ليس الحدود السياسية وإنما لغة التخاطب .فاللغة المشتركة هي التي تميز جنسية عن أخري، فاللغة هي الحامل لثقافة الشعوب وهي أداة التعبير عن الثقافة ، والثقافة هي الحياة العقلية السائدة لدي شعب معين.

ان قضية الهوية مرتبطة بالثقافة ،والثقافة لا يمكن تناولها إلا في ظل مجموعة معينة من البشر ، فهي ظاهرة بشرية تخص مجموعة محددة وأي حديث مجرد عن الثقافة لا معني له إذ لم يضاف إلي مجموعة بشرية ،وان هذه المجموعة يسودها وعي يجعلها تحسن بأنها كلاً واحدا.فهل السودان بتركيبته داخل الحدود السياسية الدولية المعترف بها يحسن بأنه يشكل كلا واحداً يمكن ان نطلق عليه السودانوية ؟

ان لحظة تأسيس الدولة السودانية كما ذكرنا جمعت شتات من القبائل في حدود سياسية .هذا الجمع لم يكن وفق مشروع نابع من داخل هذا الشتات وإنما جاء من خارج الإطار لتحقيق حلم لم يكن ذلك الشتات جزء منه او طرفا فيه . ان الدويلات التي كانت قائمة وثم توحديها في إطار السودان لم تكن منفعلة بذلك الحلم الذي يتوجه نحو الخلافة الإسلامية علي الرغم من ثقافتها العربية الإسلامية التي كانت غالبة في ذلك الشتات الذي توحد في دولة مركزية واحده .فهي الثقافة الغالبة في الشمال والوسط والغرب وهذه الثقافة العربية الإسلامية قائمة منذ فترة تاريخية طويلة ، وقد امتدت بشكل رضائي وطوعي في تلك المجتمعات من خلال حركة التاريخ الأفقية فالعرب المسلمين وان كانوا قد فتحوا مصر بقيادة عمر بن العاص فإنهم اكتفوا من شعوب جنوب مصر باتفاقية البغض.

لقد امتدت الثقافية العربية الإسلامية جنوب مصر من خلال التفاعل مع ثقافات شعوب المجموعات التي كانت تسكن في تلك المنطقة. وان انحسار لغات وثقافات تلك المجموعات المحلية لا يعني ان الثقافة العربية الإسلامية قد أقصتها وهيمنت عليها قسراً فجيوش العرب المسلمين توقفت جنوب مصر. وإنما يرجع ذلك للثقافة العربية نفسها إذ أنها ثقافة عالمه أي ان لغتها تكتب عكس الثقافات المحلية التي كانت سائدة فهي ثقافات شفهيه. فالثقافة العربية ثقافة حيه لغة وأدب ودين وفكر متغلغلة في العقل والشعور وفي الفكر والسلوك لمجموعات بشرية تعيش جنب إلي جنب مع ثقافات أخري غير عالمه وما يؤكد بان إحلال الثقافة العربية محل الثقافات التي كانت قائمة لم يتم قسراً فان أثار تلك الثقافات المحلية ظلت قائمة في الثقافة العربية فأصبحت العربية تنطق بإشكال مختلفة مثل عربي الشرق وعربي الغرب ولم تقف عند هذا الحد بل امتدت نحو الجنوب لتنتج عربي جوبا ذو اللهجة الجنوبية مما جعل اللغة العربية أداة تخاطب بين كل أهل السودان.

ان ذلك التفاعل التلقائي والتمدد الطوعي للثقافة العربية تم في عصر السقوط العربي العام الذي بدأ بسقوط قرناطة وبزوغ فجر العصر الإمبراطوري الثاني الذي رفع لواء المسيحية. فالسودان ولد في ذلك العصر الذي بدأ فيه المستعمر حملته لتدمير الثقافة العربية الإسلامية التي استطاعت ان تقيم إمبراطورية تهيمن علي العالم أكثر من أربعة عشر قرناً. وكانت بدايات تلك الحملة التشكيك في الهوية الحضارية. وبدأ الحديث عن القهر والإقصاء كجوهر للثقافة العربية الإسلامية يقصد التحريض السياسي للجماعات التي ما زالت محتفظة بالغاتها في السودان وخاصة في الجنوب علي الرغم من إنها حاولت ان تجعل من للغة المستعرة وثقافته لغة وثقافة لتلك الجامعات لان هناك بعض الجماعات في بعض الدول قد تراجعت ثقافتها او اندثرت لصالح اللغة الإنجليزية والفرنسية مع أنها لم تكن لغات محلية لأي من المجموعات المشكلة لتلك الدول.

ان الثقافة الغالبة في الحدود السياسية التي تسمي السودان هي الثقافة العربية الإسلامية ،وهذا لا يعني بأنها الثقافة الوحيدة في تلك الحدود بل ان هناك ثقافات أخري ، هي ثقافات المجموعات القبلية وهي ثقافة اقل نمو من الثقافة العربية الإسلامية لان الاخيره قد تنامت راسياً. ولا ينقص من أنها ثقافة عربية إسلامية اللهجات المختلفة للغة العربية . ان ذلك الاختلاف في اللهجات لا يؤثر في التواصل بين أهل الشرق والغرب والشمال ، بل ان أصحاب الثقافات القبلية الاخري استطاعوا ان يتواصلوا مع الثقافة العربية الإسلامية باستخدام اللغة العربية المكسرة. كما ان اختلاف اللهجات لا ينفي التجانس ،لان التجانس لا يعني التطابق التام. هذا التطابق مستحيل فالتفاعل بين الجماعات البشرية لا يعني الانصهار التام لان في ثقافة أي مجموعة هناك عناصر قوية تبقي وتختفي العناصر الهشة حتى إذا كان التفاعل بين جماعات غير متكافئة في تطورها وهذا ما يفسر أسباب اختلاف اللهجات التي تنطق بها اللغة.

ان القول بان الثقافة العربية الإسلامية هي الثقافة الغالبة لأهل السودان لا يعني ذلك هيمنة هذه الثقافة علي الثقافات القبلية الاخري وإنما يقرر حقيقة واقعه رغم تعدد اللهجات.كما أن هذا الحديث لا ينطلق من رؤية سياسية تريد ان تسقط ما في ذهنها في الواقع لان الثقافة ليس مسالة فردية ، فوصف الشخص بأنه عربي يعني انه ينتمي إلي جماعة محدد لها لغتها وأدانها وطريقة تفكيرها وسلوكها وقيمها التي تكونت خلال حركة تاريخية طويلة بحيث لا يستطيع الانسان الفرد ان يتحرر او يتخلص من ذلك لأنه جزء من هذا النسيج الذي تكون وأي محاولة للتخلص الفردي تجعل الانسان مغترب داخل مجتمعهم ، فالثقافة ليس رداء نرتديه وإذا لم يعجبنا نخلعه لنتردي غيره ، فكل الذين تمسكوا في السودان باللغة الإنجليزية وحاولوا أن ويجعلوا منها لغتهم الرسمية لم يستطيعوا ان يصبحوا إنجليز.

ظلت الثقافة العربية الإسلامية قائمة في السودان كثقافة أغلبية رغم كل محاولات التخريب ، فوصف الثقافة العربية الإسلامية بالهيمنة والإقصاء من قبل القوي التي تسمي نفسها قوي السودان الجديد هي محاولة لخلق صدام بين الثقافة العربية والثقافات المحلية الاخري ،وان كان هذا الطرح موجه لنقد الأنظمة الوطنية التي قامت بعد الاستعمار سواي كانت ديمقراطية للبرالية او عسكرية شمولية إلا أن هذا الطرح يراد به تفكيك ومشايخ التاريخ الجمعي والذاكرة الجماعية التي قادت حركة النضال الوطن تاريخيا في مواجهة المستعمر التركي والإنجليزي .ويغيب في هذا الصرح الرؤية الموضوعية لتحليل تلك الأنظمة لان جميع هذه الأنظمة حاولت أن توفيق بين تلك المجموعات ولكن في حدود الحفاظ والاستمرار بالسلطة وبالتالي تعاملت مع هذا التنويع في حدود الترضيات دون الولوج لطبيعة التركيبة السودانية.

لم تقف محاولة التخريب عند هذا الحد فحاولت ان تتخذ من المكان أساس لتكوين الهوية. ففي مواجهة الثقافة العربية طرحت الأفريقية لتعبير عن الهوية والخصوصية وليس في مواجهة الكل الثقافي (الأمة العربية) وإنما في الحدود السياسية الواحدة.فلم يكتفوا بوصف السودان بأنه إفريقي ، بل تم وصف شعوب الجنوب بأنهم جنوبيين وأهل الغرب بأنهم غرابه ،وقد امتد ذلك الوصف حتى في المناطق التي أصبحت فيها الثقافة العربي راسخة فوصف أهل دنقلا بالدناقلة وسكان المناطق التي تقع شمال الخرطوم بالجعليين هكذا ليمتد ذلك لسيطر وهيمنة مكان علي أخر..

الأفريقية رابطة جغرافية لا توحدها ثقافة حتى علي مستوي الأقطار ،او قل حتى علي مستوي أهل الجنوب.فألون البشرة السوداء والشعر المجعد والأنف الأفطس هي صفات عرضية وليس جوهرية لا تصلح لتحديد الهوية الثقافية، فان أفريقيا لا تملك للغة واحدة ،بل لغات متعددة غير عالمه وهذا ينطبق علي مستوي القارة ككل او علي مستوي الأقطار في تلك القارة باستثناء شمال أفريقيا في مصر وليبيا وتونس والجزائر والتي ثقافتها هي الثقافة العربية الإسلامية، أما دون ذلك فان في أفريقيا ثقافات متعددة ليس بتعدد الدول في القارة وأنا بتعدد الجماعات في الدولة الواحدة.

لم تقف محاولة التخريب عند وصف الثقافة العربية بالهيمنة والإقصاء ، بل ذهبت لا بعد من ذلك بوصف الثقافة العربية ثقافة عنصرية واستعمارية من خلال الحديث عن العرب الاعاربه والعرب المستعربة في السودان باعتبار ان هناك عرب وآخرين تم استعرابهم بعد ان فقدوا او تخلوا عن للغاتهم وهم بهذا الفهم شعوب قد تم قهرها من العنصر العربي ، شعوب زنجية من اصل حامي تم قهرها من عرب من أصول حامية وكأن بداية التاريخ البشري كانت مع سام وحام أبناء نوح فادخلوا الإسرائيليات في تفسير حركة التاريخ .

ان الحديث عن الأصل البشري وفقاً للاعتقاد الديني في كل الشرائع السماوية هو ادم وحواء ثم انطلقت البشرية لتصبح قبائل وشعوب تكونت وفق الحركة الأفقية للتاريخ. فعندما خرج سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء من قومه أنجب إسماعيل وإسحاق ولما كان إسماعيل جد العرب وإسحاق جد الإسرائيليين فان سيدنا إبراهيم لم يكن الابن المباشر من ادم ولا ابن ولا الأبن المباشر من حام ابن نوح وبالتالي فان أي نظرة عنصرية باعتبار أن هذا جنس ارقي من جنس مغالطة تاريخية في تكوين الشعوب فإسماعيل جد العرب والدته هاجر الجارية المصرية وأبيه إبراهيم وإسحاق الذي أمه سارة فان أبيه أيضاً إبراهيم وإذا كانت الانتماء عادة عند الشعوب من جهة الأب دون الأم فليس هناك عنصر أفضل من عنصر.

أما الحديث عن الدم العربي فهو حديث تكذبه الحقائق العلمية فان الدم البشري وحسب الاختيارات المعملية من خلال الرموز العلمية لفصيلة الدم وان تلك الفصائل تتواجد في الجنس الحامي والسامي مما يؤكد ان الجنس البشري من عنصر واحد وأصبحوا شعوب وقبائل من خلال حركة التاريخ الأفقية. وقد حصل التفاوت بين تلك الشعوب نتيجة لسرعة الحركة الراسية في المجتمع وهو ما يعرف بالتطور.

أقرت القوي السياسية السودانية بالتنوع الثقافي والعرقي والديني في الدولة بعد ان زكأ نظام الإنقاذ الروح الجهوية والقبلية .وقد جاء هذا الاعتراف في إطار معارضة نظام الإنقاذ بما هو كائن في الذهنية الشعبية داخل ذلك التعدد واعتراف القوي السياسية بمبدأ حق تقرير المصير لجنوب السودان جاء من واقع هذه الذهنية لان الجنوب لا يشكل كيان ثقافي موحد في مواجهة الشمال فهذا الاعتراف الموجود في الذهنية الشعبية بالتعدد هو اعتراف سلبي يشتت ولا يوحد لإعتقاد كل مجموعة بأنها تربطها صله رحم أي رابطة الدم. وان كل بطونها من جد واحد وإنه لذلك تري بأنها تمتاز علي غيرها من المجموعات وحفاظاً علي هذه الرابطة ترفض الاختلاط بغيرها حتى لو شاركتها المجموعة الاخري في اللغة والعقيدة كما كان حادث بين مجموعات الشمال.

ان ذلك الاعتراف السلبي بالتعدد جعل التقوقع في إطار القبلية مستمر في ذهنية أبنائها حي بعد نشوء المدن نتيجة للتطور الاقتصادي الذي حدث بعد قيام الدولة المركزية التي ارتحل إليها أبناء تلك المجموعات بحثاً عن العمل فتجاور أبناء القبيلة في السكن وأصبحت أسماء الأحياء تسمي في المدن بأسماء القبيلة فهناك فريق الشايقية وحي الدناقلة وديم التعائشة وحي فلاته وهكذا. وامتد هذا التشرزم حتى في الوظيفة بعد قيام مؤسسات الدولة. وان كان التواجد بالمدنية قد فرض نوع من التفاعل بين المجموعات التي كانت توحدهم اللغة والعقيدة والراسخة فيهم تاريخياً ، أن هذا التفاعل لم يكن عن وعي بحقيقة ما يوحدهم في إطار الدولة التي تأسست بها تلك المدن وإنما أن تلك المدن قد جلبت عناصر أخري تتسم بحداثة إسلامها وانعزالها الإقليمي والجغرافي عن مركز الحضارة وان تركيبتها الاجتماعي والقبلية أكثر تخلفاً. ولذلك بدأت بعض المجموعات تتجاوز مفهوم أنا وأخي علي بان عمي إلي مفهوم أنا وابن عمي علي الغريب.

إن النخبة السياسية التقليدية التي كانت تقود الأحزاب السياسية وما زالت متأثرة بالاعتراف السلبي بذلك التعدد الثقافي في السودان الموجود في الذهنية الشعبية ، ولذلك كانت المسألة الثقافية في الحراك السياسي تأتي في المرتبة الثالثة بعد المسألة السياسية والاقتصادية علي الرغم من ان تلك الأحزاب السياسية قد تشكلت من ادخل التيارين المتصارعين قبل الاستقلال تيار الوحدة والاستقلال ولما كانت تلك التيارات قد نشأة كردود أفعال لم تستطيع تلك الأحزاب أن تقدم مشروع وطني يؤسس للوحدة او الاستقلال فظلت المسالة الثقافية مسكوت عنها وتعاملت معها في إطار الصراع السياسي علي السلطة وليس في إطار تمتين الوحدة الوطنية ،وقد اثر ذلك الصراع سلباً في مسالة الوحدة الوطنية لان الأحزاب السياسية اعتمدت في حركتها علي تلك الكبانات الاقليمة في الحصول علي السلطة دون أي اعتبار لما يوحد تلك الكباتات في الدولة التي يراد حكمها. ولما جاءت الإنقاذ بمشروعها الحضاري برزا الجانب الثقافي في أزمة الدولة السودانية وأصبح هو المحرك السياسي واخذ المرتبة الأولي وتراجعت المسالة السياسية والاقتصادية وبرزت تلك الأسئلة من جديد.

إن تقدم المسالة الثقافية في الحراك السياسي السوداني فرضته الحركات المسلحة الاقليمة في مقاومة النظام والتي أصبحت تنمو تدريجياً كمعارضة لسياسية النظام مع تضاؤل دور الأحزاب السياسية في تلك المعارضة ،ولذلك فان إقرار القوي السياسية بمبدأ التعددية الثقافية هو استجابة لما فرضته الحركات الإقليمية والمجموعة المسلحة لضمان استمرار تلك الأحزاب السياسية في الحراك السياسي الذي بدور في السودان حتى لا تفتقد مبرر وجودها بعد ان أصبح الصراع السياسي يمس المسالة الجوهرية في تكوين تلك الدولة وهي تركيبة الشعب السوداني فكان صعود المسالة الثقافية مبرر وجود وبالتالي طرحت المسالة الثقافية كمسالة منفصلة دون نظره لعلاقتها الجداليه مع المسالة السياسية والاقتصادية في تركيبة الدول السودانية . ولكن إذا لم تعرف من نحن لا نستطيع أن نعرف ماذا تريد.

منقول من جريدة البديل
استاذ: الفاتح سليم
avatar
عاصم
المدير العام
المدير العام

رقم العضويه : 1
عدد المساهمات : 56
نقاط : 2147483647
تاريخ التسجيل : 30/07/2010
العمر : 29
الموقع : الخرطوم

http://nasersudan.1fr1.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى